طرائق البـحث العلـمي

يُعدّ البحث العلمي تقنية الحضارة المبتكرة لفهم الماضي واستيعاب الحاضر واستشراف المستقبل؛ وذلك ما أكّده سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، وزير الداخلية، بقوله: "إنّ البحث العلمي هو المحرك الفاعل لتقدم المجتمعات البشرية وتطورها، والدعامة الأساسية للارتقاء بإمكانيات قطاعات الدولة كافّة".
إنّ تدوين البحث العلمي في صورة كتب ومؤلّفات تقتضي من الباحث اكتسابَ قيَم معيّنة، ومهارات دقيقة ومحدّدة في كيفية جَمع المعلومات واستنباطها، وتوظيفها وإثبات مصادرها. وللبحث العلمي خصائص ومناهج وخطوات معيّنة يتوجّب على الباحث الالتزام بها للوصول إلى بحثٍ علمي مستوفٍ شروطه الشكلية والموضوعية، وبيان ذلك فيما يلي:

أولاً: صفات الباحث العلمي

الرغبة في موضوع البحث:

تُعدُّ رغبة الباحث في خوض غمار البحث الذي ينوي القيام به عُنصراً رئيساً ومهمّاً في الوصول إلى بحثٍ علميٍّ رصين. فالرغبة الشخصية دائماً من العوامل والدوافع لتحقيق النجاح والتميّز.

الحيادية والموضوعية:

الحيادية هي التزام الباحث عدم الظهور في بحثه وكأنه يدافع عن جهة معينة وينحاز إليها دون أدلّة أو براهين تُثبت ما ذَهَب إليه، أما الموضوعية فهي حرص الباحث على تحكيم العقل والمنطق فيما يكتبه، والاستناد إلى الشواهد والبراهين التي تؤكّد قناعاته واستنتاجاته.

الاعتماد على الحقائق العلمية:

يجب على الباحث الابتعاد عن التأملات والافتراضات الشخصية التي لا تستند إلى حقائق علمية ثابتة، والحرص على أن يكون بحثه مُعزّزاً بالأدلة والبراهين التي تؤكّد ما توَصَل إليه من نتائج، وتُضفي عليها طابع القوة والمصداقية.

الصــبر والمثــابرة:

تعترض الباحثَ مصاعبُ ومشاقّ عدّة عند قيامه بالبحث عن المعلومات المطلوبة والمناسبة؛ ولذلك فعليه أن يتحلى بالصبر وسعة الصدر في رحلته البحثية؛ لأن وصوله إلى مبتغاه يقتضي منه عزيمةً ماضية، وهمةً عالية، ونفساً وثّابة؛ لتجاوز المعوقات التي قد تعترض سبيله، وإلا كان مصيره الفشل في مهمته البحثية.

التـــــــواضع:

على الباحث أن يتحلّى بفضيلة التواضع، وألا يتلبّسه الغرور والترفّع على الباحثين الذين سبقوه في مجال بحثه، لما قد يصل إليه من نتائج بحثية ذات قيمة علمية مهمة؛ لأن الغرور مطية هلاك الباحث، وسبب من أسباب نفور القُرّاء منه ومن أبحاثه مهما بَلَغَت مصداقيتها العلمية.

الأمانة العلمية:

إنّ أهم صفة أخلاقية يجب أن تنطوي عليها نفس الباحث هي الأمانة العلمية؛ إذْ إنّ نسبة الكلمات والعبارات والأفكار إلى صاحبها - إشارةً أو اقتباساً وتوثيقاً - تُعد من أهم شمائل الباحث وخصاله.

القدرة على إنجاز البحث:

يتعين على الباحث أن يتيقّن من قدرته على خوض غمار البحث العلمي، وأن يكون شغوفاً في التعمّق والاستنباط والاستنتاج أثناء كتابة محاوره المختلفة، كما يقتضي منه أيضاً تأمين متطلباته المالية، للسفر أو اقتناء المصادر والمراجع أو تصويرها، أو شراء الآلات والأدوات اللازمة لإنجازه.

ثانياً: خصائص البحث العلمي

وضوح وشمولية عنوان البحث:

يُظهر حُسنُ اختيار عنوان البحث قدرة الباحث على اختزال موضوع بحثه بكلمات محددة ودقيقة وشاملة؛ ما يقتضي التزامه باختيار عنوان مختصر يشمل مجال البحث وموضوعه وظرفه زماناً ومكاناً.

المعلومات والحقائق العلمية الدقيقة:

على الباحث تبنّي أسلوب البحث العلمي القائم على المعرفة الدقيقة، والحقائق العلمية المثبتة؛ لا على فرضيات من خياله واجتهاداته الشخصية. وأن يستند – على امتداد بحثه – إلى البراهين والحجج التي تدعم قناعاته، وما يتوصّل إليه من نتائج وتوصيات.

تخطيط حدود البحث:

مِن أسس البحث العلمي قيام الباحث بتحديد الزمان والمكان اللذين سيكون البحث في إطارهما. ولا يجوز له أن يجعل بحثه مفتوحاً على مجالات جغرافية أو حقب زمنية غير محددة على وجه الدقّة.

الجِـدّة والابتكار:

لا يُقصَد بالجِدّة والابتكار ضرورة أن يكون موضوع البحث فريداً من نوعه ولم يتطرق إليه أحد، وإنّما المقصود هو أن يقوم الباحث بالتطرق لفكرة أساسية ومعروفة لموضوع ما، سواء باستكمال أبحاث سابقة تناولتها، أو بالتعرض لها بصورة أشمل وأوفى، ما يقود إلى إضافة علمية مفيدة للمعرفة الإنسانية تنم عن روح إبداعية، وتنبئ بموهبة بحثية فذّة، وخيال علمي خصب.

التوثيق والإسناد:

على الباحث احترام القواعد المتعارف عليها في استنباط المعلومة وتحقيقها، والحرص على تثبيت المصادر والمراجع التي استعان بها في هوامش صفحات بحثه، بتدوين اسم المؤلف، واسم الكتاب، واسم دار النشر، واسم الدولة أو المدينة التي تقع بها دار النشر، وسنة النشر، ورقم الصفحة. ثم توثيق هذه المصادر والمراجع في قائمة خاصة تظهر في نهاية البحث، وتضُم الكتب والنشرات والمقالات التي رجع إليها، بحيث يكون كل مرجع ذُكِر في القائمة مُستَخْدَماً بصورة فعلية في مَتن البحث، وكل مرجع ذُكِر في متن البحث ظاهراً في القائمة.

الترابط بين أجزاء البحث:

يلتزم الباحث بأن يكون بحثه مُترابطاً ومُنسجماً في أبوابه وفصوله ومباحثه وأجزائه الأخرى؛ وفق أسس علمية وخطوات منهجية؛ بما يجعل كُلّ فكرة فيه تقود إلى الفكرة التي تليها، لا أن يكون مُشتّتاً في مواضيعه ومتنافراً في استنتاجاته وخلاصاته وكأنه أبحاث عدّة في بحثٍ واحد.

ثالثاً: مناهج البحث العلمي

للبحث العلمي مناهج عدّة، نذكر منها:

المنهج الوصفي:

المنهج الوصفي يقوم على أساس تحديد خصائص الظاهرة محل البحث ووصف طبيعتها، ونوعية العلاقة بين متغيراتها، وأسبابها، واتجاهاتها، وما إلى ذلك من جوانب تدور حول سبر أغوارها. ولا يقتصر المنهج الوصفي على جمع البيانات الوصفية لهذه الظاهرة فحسب، وإنما يهدف إلى تحليلها، وتفسير بياناتها للوصول إلى نتائج علمية محددة.

المنهج التاريخي:

يُستفاد من المنهج التاريخي في البحث العلمي وصف ما مضى من وقائع وأحداث وتسجيلها، ودراستها وتحليلها على أسس علمية منهجية ودقيقة؛ بهدف التوصل إلى حقائق جديدة تُسهم في فهم الحاضر واستشراف المستقبل.

المنهج التجريبي:

يعتمد الباحث في المنهج التجريبي على التجربة العلمية في بحثه، ما يتيح له فرصة كبيرة للوصول إلى الحقيقة. ويمكن القول: إن هذا المنهج يُعدّ أكثر مناهج البحث العلمي أهمية؛ لأنه يساعد الإنسان على التطور والارتقاء بالملاحظة والتجريب لتحقيق نتائج صحيحة، ومعرفة طرائق واضحة للتعامل مع الظواهر المختلفة، وتفسيرها تفسيراً علميًّا دقيقاً.

المنهج الفلسفي:

يُعدّ المنهج الفلسفي منهجاً تأملياً عقلياً تحليلياً؛ لأن الباحث فيه يتناول موضوع البحث تناولاً عقلياً، ويستند به إلى تفكيره الذاتي، للوصول إلى الأسباب الأساسية والحقيقية للمشكلة محل البحث.

المنهج الاستقرائي:

الاستقراء كلمة مأخوذة من "قرأ الأمر" أي تَتَبّعه ونظر في حالِه، وهناك من يرى أنها مأخوذة مِن "قرأتُ الشيء" بمعنى جمعته وضممتُ بعضه إلى بعض ليُرى توافقه واختلافه، وكلا الأمرين يأتيان بمعنى "التتّبع" لمعرفة أحوال شيء ما. وفي هذا المنهج يبدأ الباحث بتناول جزئيات بحثه ليصل منها إلى قواعد ومبادئ عامّة، ما يعني أنه استدلال تصاعدي يرتقي به الباحث من الحالات الجزئية إلى الأحكام العامة. ويتحقق الاستقراء بالملاحظة والتجربة وبمختلف تقنيات البحث العلمي المتبعة.

منهج المسح الاجتماعي:

منهج المسح الاجتماعي هو دراسة علمية لظاهرة أو حالة موجودة في جماعة معينة وفي مكان معين. ويُعد هذا المنهج من أهم مناهج البحث العلمي؛ لما يوفّره للباحث من بيانات ومعلومات تتعلّق بالظواهر والأحداث والجماعات ذات الصّلة بموضوع بحثه.

رابعاً: خطوات كتابة البحث العلمي

اختيار موضوع البحث:

قد يبدو اختيار موضوع البحث مُهمة شاقة على الباحث، للصعوبات التي يواجهها في انتقائه لأحد الموضوعات المتصلة بتخصصه، أو تعذر معرفته بحقيقة الجدوى من البحث فيه. فإذا وجد الباحث في نفسه ميلاً للبحث في موضوع ما، فعليه أن يختار موضوعاً حيّاً، وأن يتحقق من جدواه ومدى حاجة الدولة والمجتمع إليه. وقدرته على الاستمرار فيه إلى منتهاه.

تحديد مشكلة البحث:

تعد المشكلة البحثية المحورَ الرئيسَ الذي تدور حوله الدراسة، فهي أسئلة وفرضيات في ذهن الباحث بوجود قصور أو ضعف أو غموض في جانب معين يتطلّب استجلاءً لأمره.  وعلى الباحث أن يضع في اعتباره ضرورة أن تكون المشكلة البحثية في نطاق تخصصه الدراسي، وضمن اهتماماته البحثية، وأن تكون محددة وذات قيمة علمية وعملية.

تحديد أهداف البحث:

أهداف البحث العلمي، هي الأغراض التي يسعى الباحث إلى تحقيقها عن طريق البحث والتقصي؛ ولذلك عليه وضع أهداف محددة لبحثه؛ لحصر ما هو ضروري من المواضيع والبيانات والمعلومات اللازمة لتنظيمه في أجزاء محددة وأسلوب واضح.

وضع خطة للبحث

خطة البحث العلمي هي التصوّر المسبق للباحث في كيفية كتابة بحثه. وهي الخريطة شبه التفصيلية التي سيلتزم بها أثناء عملية البحث. وتُعرف أيضاً أنها: البوصلة التي يهتدي بها الباحث في مسيرته البحثية. وبها يمكن الحُكم على جدوى البحث وجدارة الباحث.

إمكانية الحصول على مراجع للبحث:

من أهم المعوقات التي تعترض سبيلَ الباحث في رحلته البحثية هي ندرة المراجع ذات الصّلة ببحثه أو عدم وجودها؛ ولذلك فإنّ عليه التأكّد - عند اختياره لموضوع ما - من وجود المراجع والمعلومات المتعلقة به كسباً للجهد والوقت، والانصراف إلى موضوع آخر أكثر سهولة ويسراً إن تعذّر عليه ذلك.

مَـتْن البحث:

مَتْن البحث هو الأصلُ الذي يُشرَحُ وتضاف إِليه الحواشي، فهو أصل البحث ومحتواه، وفيه تبرز أفكار الباحث وقناعاته وتحليلاته، والإجراءات التي اتبعها، والأسلوب الذي استخدمه، ومبررات اختياره له. ومتن البحث يبدأ بصفحة العنوان وينتهي بقائمة المحتويات.  بما يتضمنه من عناوين رئيسة وفرعية، وخاتمة وتوصيات وملاحق وغيرها.

خاتمة البحث:

تأتي خاتمة البحث العلمي في نهايته، ويجب أن تتضمن بياناً مكثّفاً ومختصراً لنتائج البحث، وما تَبَدّى فيه من رؤى وحقائق في ميدان العلم والمعرفة، وكذا طبيعة التوصيات التي اقترحها الباحث لتسوية الإشكالية الأساسية والإشكاليات الفرعية التي عرضها في متن البحث.

ملاحق البحث:

تحتوي بعض الأبحاث العلمية على ملاحق أو ملحق يتضمن الوثائق الرسمية أو القانونية، أو الصور أو الخرائط التي اعتمد عليها الباحث واستغل مادتها في بحثه؛ فإذا تضمن البحث ملحقاً من هذا النوع فإنه يُعدّ جزءاً منه. وتأتي هذه الملاحق بعد خاتمة البحث وقبل قائمة المراجع.

مراجع البحث:

تُعد قائمة المصادر والمراجع السندَ الأساس الذي تستند إليه عملية التوثيق في البحث العلمي. وهي بلا شك أول ما يطلع عليه القارئ، ولذلك فهي ذات أهمية كبرى في تكوين الانطباع الأول عن الباحث، وإحدى الوسائل التي يتحقق بها القارئ من مدى أمانته العلمية. إن كتابة الهوامش ووضع قائمة بها في نهاية البحث تُعبر عن موضوعية الباحث وحرصه على إبراز جهود الآخرين والاعتراف بدورها في رفد بحثه العلمي.