التاريخ الشفاهي

ليس كل التاريخ مكتوباً، وربما يقول البعض إن أكثر التاريخ لم يُدوّن. فلم يدون التاريخ سوى الأحداث التاريخية الرئيسية، أما الأحداث الفرعية فلم تدونها صفحات التاريخ ولكنها حُفظت في ذاكرة الناس. والتاريخ الشفاهي هو عملية جمع وتوثيق الأحداث والأوضاع والروايات التاريخية غير المكتوبة.
وإذا ما عدنا إلى فترة ما قبل الاتحاد وفترة ما قبل النفط، فإننا نعلم أن تدوين التاريخ كان رفاهية لم يكن باستطاعة مجتمع الإمارات تحملها. ففي الفترة التي أعقبت انهيار مهنة الغوص على اللؤلؤ وسبقت قيام الاتحاد، لم تتوفر لشعب الإمارات الموارد البشرية أو الإمكانيات الاقتصادية اللازمة لتدوين التاريخ كتابيًّا أو في الوسائط الإعلامية التي كانت متوفرة في تلك الفترة. وكم يبدو بعيداً جدًّا ذلك العصر الذي سبق قيام الاتحاد؛ ذلك أن التطور الذي أعقب الاتحاد باعد فكريًّا بين الإمارات بالأمس والإمارات اليوم. لقد كانت الوسائل الإعلامية والصحف منتشرة آنذاك في منطقة الخليج العربي والعالم العربي كافة، ولكنها كانت بعيدة كل البعد عن دولة الإمارات. لذلك فتوثيق التاريخ الشفاهي مهم لجميع الدول، ولكن أهميته لدولة الإمارات أكبر بكثير منها لتلك الدول؛ لأن جزءاً غير يسير من تاريخها لم يُدوّن.
وعلى سبيل المثال، يعرف الكثير من أهل الإمارات أن انهيار اقتصاد اللؤلؤ جاء بعد تطوير اللؤلؤ الصناعي الياباني على يد المخترع والتاجر الياباني ميكيموتو كوكيشي (Mikimoto Kokichi). ولكن تلك المعلومة هي كل ما يعرفه معظم الناس عن انهيار مهنة الغوص على اللؤلؤ. وهناك عدد لا بأس به من غير المطلعين على تاريخ الدولة ممن يعتقدون أن اكتشاف النفط هو السبب الرئيسي لانهيار الغوص. وعلى أي حال، فإن خلاصة القول هنا أن المعلومات التاريخية منقوصة بشكل يشبه الصورة المفقودة الأجزاء؛ فأحياناً تستطيع تَعَرُّفَ صورة ما ولو كانت الأجزاء منقوصة، ولكنها مع ذلك صورة غير كاملة. هذا بالتحديد هو الأمر مع التاريخ الشفاهي؛ فالتاريخ الشفاهي يكمل الأجزاء المفقودة من الصورة. وفي أحيانٍ كثيرة يبرز التاريخ الشفاهي صوراً كانت غائبة تماماً عن الانتباه.
ولم يكن انهيار اقتصاد اللؤلؤ حدثاً طارئاً كما يتصور الكثيرون، بل كان تدريجيًّا، مع أن الأحداث توالت بسرعة بعد ظهور اللؤلؤ الصناعي في الأسواق العالمية. وكان ينظر إلى اللآلئ الصناعية على أنها مقلدة ورخيصة الثمن مقارنة باللآلئ الطبيعية. ولأنه أصبح من الصعب تمييزها عن اللآلئ الطبيعية تأثرت سلباً تجارة اللؤلؤ الطبيعي وحل محله اللؤلؤ الصناعي إلى الأبد. وعند الحديث عن الغوص على اللؤلؤ بالطريقة التي تستعرضها الكتب التاريخية، فإن المرء دائماً يتساءل: ولماذا لم يتجه الرجال إلى العمل في وظائف أخرى؟ والجواب أن الوظائف الأخرى كانت مرتكزة على الغوص على اللؤلؤ. ولكن التاريخ يعرض انهيار الغوص على اللؤلؤ كما لو كانت مهنة واحدة من عدة مهن. ثم يحتار القارئ أمام الحقائق التي تذكر أن تجار اللؤلؤ الإماراتيين أصبحوا مفلسين؛ لأن المرء قد يتساءل عن مصادر الدخل الأخرى. فالحقيقة هي أن الغوص على اللؤلؤ كان اقتصاداً متكاملاً بحد ذاته، وأول نقطة يجب أن يعلمها الفرد هو أن الغوص على اللؤلؤ كان اقتصاداً وليس مهنةً.
وكان ذلك النظام الاقتصادي يتكون أولاً من المورد الطبيعي وهو اللؤلؤ، إضافة إلى أن لؤلؤ الخليج العربي كان أجود نوع في العالم. ثانياً: كان هناك التجار الذي يشترون اللؤلؤ من التجار المحليين أو النواخذة (قادة السفن) ثم يصدرونه إلى الهند، ثم بريطانيا، ثم إلى الأسواق العالمية. وهناك طاقم سفينة الغوص من غواصين وسيوب وعمال آخرين، وعائلاتهم، وصناع السفن، وهناك أيضاً صيد الأسماك، واستيراد المواد التي يحتاجها السكان مثل المواد الغذائية، والملبوسات، والبضائع الأخرى. إذاً فاللؤلؤ كان لب الاقتصاد وبعد انهياره انهارت كل الأعمدة الاقتصادية التي كانت تتكئ عليه.
والنقطة الأخرى هنا هي: ماذا حدث للفرد عندما حدث الانهيار الاقتصادي؟ طبعاً خسر جميع الرجال وظائفهم، ثم ماذا حدث بعد ذلك؟ كيف تعامل الناس مع الأوضاع بعد ذلك؟ هذا هو الجزء الذي يدوّن عنه التاريخ الكثير. فتدوين التاريخ في الماضي كان كثيراً ما ينحاز إلى الجوانب الاقتصادية العامة، والنواحي السياسية الكبرى، والعلاقات الدولية، ولكن التاريخ كثيراً ما أغفل الإنسان وتجربته وتأثير التغيرات السياسية والاقتصادية عليه. وهنا يأتي دور التاريخ الشفاهي ليسجل ذكريات الناس وحياتهم اليومية، وإحساسهم وشعورهم، وعلاقاتهم الإنسانية، وأشعارهم، ومعاناتهم، ويدونها ويوثقها، وهذه أمور غائبة تماماً عن السجلات التاريخية الرسمية، ومجهولة تماماً على الأجيال الحالية.  
إن الحياة في مجتمع الإمارات إبان انهيار اقتصاد الغوص على اللؤلؤ هي إحدى المجالات التي يسعى قسم التاريخ الشفاهي في الأرشيف الوطني للبحث فيها وسبر أغوارها وتعرُّف أبعادها ومعطياتها. وذلك أمر لا يمكن إنجازه بالبحث الأكاديمي فقط، بل بالمقابلات المسجلة التي تستهدف التوصلَ إلى المعارف المحفوظة في ذاكرة آبائنا وأجدادنا، وتوثيقَها لتكون مورداً معرفيًّا للأجيال القادمة.