الأرشيف الوطني يرصد جوانب من عطاء زايد الإنساني

 الأرشيف الوطني يرصد جوانب من عطاء زايد الإنساني

  الأرشيف الوطني يرصد جوانب من عطاء زايد الإنساني
الشيخ زايد .. رائد العمل الإنساني عالمياً
اتسمت النظرة الأولى للقائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – طيب الله ثراه- بعد تسلمه مقاليد الحكم في أبوظبي بالطابع الإنساني، فكانت موجهة إلى معاناة البشر، إذ إنه – رحمه الله - وبعد تسلمه أول تقرير شامل عن الأوضاع المالية لأبوظبي بعد أيام من توليه الحكم في أبوظبي، وكان التقرير مبشراً،  قام بإرسال موظفي القصر إلى المناطق الفقيرة من المدينة لدعوة الفئات الفقيرة من قاطنيها إلى مجلس الحاكم، وهي دعوة لم يسبق أن وجهت إلى هذه الفئة من المجتمع التي كانت منقطعة تماماً عن النخبة الحاكمة، واستقبل المواطنين ورحب بهم، وقدم مبلغاً من المال لكل واحد منهم، وكان المبلغ يوازي ما يحصله الواحد منهم في سنة كاملة، وقد أوصى كلاً منهم بأن ينفق ما أعطي بحكمة وحرص على عائلته، وتقاطر الناس إلى المجلس، وكان موظفو القصر منتشرين في أرجاء المدينة بحثاً عن المزيد من ذوي الحاجة، ثم امتدت يده الحانية إلى مناطق البدو، وزحف آلاف الناس إلى القصر، وكان كل واحد منهم يمر بالشيخ زايد ليتسلم هديته المالية، وتواصلت هذه العملية أسبوعاً كاملاً، وما من شخص وصل إلى القصر وعاد خائباً، وبلغ ما وزعه الشيخ زايد ما يقارب عشرين مليون دولار تقريباً.
لقد أولى الأرشيف الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة العمل الإنساني في فكر المغفور له – بإذن الله تعالى- الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان اهتماماً كبيراً، فعمل على توثيق جوانب كثيرة منه في إصداراته ولا سيما  في كتاب (زايد رجل بنى أمة) الذي يستعرض العديد من مواقف القائد الخالد ذات الطابع الإنساني، وفي هذا الإطار جاء إنشاء (صندوق أبوظبي للتنمية الاقتصادية العربية) الذي أنشئ لتمويل مشاريع التنمية في البلدان العربية المحتاجة، وكان المؤسسة الإماراتية الرئيسية المعلن عنها لتقديم المساعدات، وتوسع عمل الصندوق بعد تأسيسه، فتبنى مشاريع في إفريقية، وآسيا، وقد رفع الشيخ زايد رأس مال الصندوق ليصل 4,4 مليارات دولار، وبذلك تمكن الصندوق من رفع وتيرة نشاطه، فقدم الهبات والقروض الميسرة التي توزعت على أكثر من خمسين مشروعاً بين عامي 1974و1975، منها واحد وثلاثون مشروعاً في العالم العربي، وعشرة مشاريع في إفريقية، وتسعة في آسيا، وكان الشيخ زايد حريصاً على حسن إدارة الصندوق، وكثيراً ما كان يلغي بعض الديون المترتبة شريطة عدم الإعلان عن ذلك، وكان الاهتمام يتركز في مشاريع البنى التحتية التي من شأنها الارتقاء بحياة الإنسان.
بعد عودة الشيخ زايد من زيارته للسودان عام 1972 عبّر عن تعاطفه مع ذلك البلد وأهله، وقدم صندوق أبوظبي الدعم والعون لتخفيف معاناة أبناء السودان من الحرب والجفاف، فدعم مشاريعهم الزراعية، ومشاريع البنى التحتية، وأدى دعم أبوظبي للسودان إلى إنعاش اقتصادها.
لم يأبه الشيخ زايد باسم الدولة أو نوع الناس عند تقديم المساعدة، وقد كان ذلك ببساطة التزاماً منه بتقديم العون بدلالة الدعم الذي قدمه إلى سيريلانكا حين طلبت حكومتها من الصندوق مساعدة مالية لتحديث عمليات صيد الأسماك التي يعتمد عليها قرابة 72000 نسمة من السكان.
كان الشيخ زايد يعتقد أن الثروة التي تتمتع بها أبوظبي جعلت من واجبه تقديم المساعدة حيثما استطاع أكان في الداخل أو في الخارج؛ لأن الثروة رفعت من سمعة الإمارات العربية المتحدة في أوساط المجتمع الدولي، وكان – رحمه الله – يتعاطف كثيراً مع الناس العاديين في أوقات المحنة والمعاناة، لذا أدرك المعاناة التي كابدها الفلسطينيون فصار نصيراً لقضيتهم؛ إذ قدم الشيخ زايد الكثير من المعونات لتمويل الإغاثة والإسعافات الطبية في المخيمات، وحيثما ذهبت في الأراضي الفلسطينية تجد المدارس والمستشفيات التي تحمل اسمه، والكثير سواها مما لا يحمل اسمه، وإنما يعود الفضل في إنشائها إلى أياديه البيضاء.
لقد كان الشيخ زايد شديد التعاطف مع الناس العاديين الذي عانوا ويلات الحروب، لكن حسه الإنساني المرهف كان يتجلى عندما يعبر عن ألمه حيال معاناة الأطفال، لذلك سارع إلى مداواة جراحهم وتخفيف آلامهم، ففي عام 1973 أمر المسؤولين في حكومته بأن يبدؤوا نقل المساعدات إلى سوريا ومصر دون إعلانها في وسائل الإعلام، وتم نقل مئات الجرحى بالطائرات من سورية ولا سيما الأطفال إلى مستشفيات أبوظبي، وإلى مستشفيات أوروبية ليحصلوا على العناية الطبية اللازمة.
  وفي أواسط تسعينيات القرن الماضي انتشر مرض (الدودة الغينية) على مستوى الوباء في بلدان كباكستان والهند واليمن، وضربت الدودة مناطق واسعة جداً من إفريقية، لا سيما المناطق الصحراوية، وهنا انبرى الشيخ زايد ليتبرع بالمال دعماً للجهود التي تكافح وباء الدودة الغينية أو ما عرف بالأفعى النارية، فبدأت مصادر الماء العذبة بالانتشار ما أبعد الناس عن المياه الموبوءة التي كانت سبباً بانتشارها.
ووقفت دولة الإمارات العربية المتحدة بقيادة الشيخ زايد إلى جانب دولة الكويت الشقيقة حين تعرضت للغزو، فساندتها بأشكال الدعم كافة، ولا سيما الدعم الإنساني؛ إذ أمر الشيخ زايد - بعد تحريرها- بإرسال الفرق الطبية إليها، ووجه بشحن ما أمكن من مياه الشرب - على وجه السرعة- وبتحميل الشاحنات بالمولدات الكهربائية وتوزيعها على السكان والمقيمين في الكويت، هذا فضلاً عما قدمته الإمارات لضيوفها الكويتيين على أرضها.
وتلقت الصومال في بدايات تسعينيات القرن الماضي المساعدات ومواد الإغاثة من الإمارات لتوزعها على ذوي الحاجة، وفي اليمن كان الشيخ زايد أشبه بالأب الروحي، وكانت يده البيضاء في هذا البلد حاضرة دوماً.
 وبعد توجيه الشيخ زايد بضرورة تقديم المساعدات والإغاثة إلى البلدان التي تتعرض للكوارث الطبيعية دون اعتبار للدين أو المعتقد، أو إذا كان البلد حليفاً للإمارات أو غير حليف، هبت دولة الإمارات لتقديم المساعدات إلى إيران إثر الزلزال العنيف الذي ضرب إقليم أردبيل الإيراني عام 2003، وأدى إلى تشريد أربعين ألف نسمة، فأرسلت الإمارات المساعدات الإنسانية ممثلة بآلاف الخيم وعشرات آلاف البطانيات والمدافئ والمصابيح، وأطنان من حاجات الأطفال: غذاء وملابس وأدوية.
لقد كان الشيخ زايد - رحمة الله – لا يطيق أن يرى إنساناً معوقاً –جسدياً أو عقلياً- مقيداً بالعوائق الاجتماعية والتقليدية، وفي أحد الأيام كان يقود سيارته على طريق المطار في أبوظبي، وإذا به وسط زحمة مرور خانقة، وكان الزحام مركزاً حول أحد المباني، فخرج من سيارته ليستكشف السبب فقيل له: إن السيارات التي تعرقل الطريق هي لأهالي الأطفال المعوقين الذين يصطحبون أطفالهم من المركز الخاص بهم، والمركز يقع في الدور العاشر من البناء، والمصعد كان معطلاً، فأمر على الفور بتخصيص مبنى مناسب لأولئك الأطفال، وقام – طيب الله ثراه- بزيارة مركزهم الجديد، وأحاطهم بالعناية والاهتمام.
وفي تسعينيات القرن الماضي وضع الشيخ زايد –طيب الله ثراه- وحكومته ملايين الدولارات بتصرف الحكومة البوسنية، وضخت الحكومة الإماراتية المساعدات المالية لإنعاش مشاريع الطوارئ الاجتماعية والمستشفيات في العاصمة سراييفو المحاصرة.
وبحسب التقديرات فقد أنفقت الإمارات العربية المتحدة على المساعدات الخارجية بين عامي 1971و1996 ما يزيد على 17,4 مليار دولار، واستفاد منها أكثر من أربعين بلداً في ثلاث قارات.
وما ذلك إلا غيض من فيض، وقليل من كثير إذ يصعب الإحصاء والإحاطة بكل ما قدمه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – رحمه الله - من عطاءات خيرية وإنسانية.
      إن جلائل أعمال الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان على صعيد العمل الخيري والإنساني جعلت الأوسمة والجوائز التكريمية والتقديرية تسعى إلى مقامه لتشهد أمام العالم أجمع بعطائه الإنساني والخيري الذي طال آلام الإنسانية أينما كانت، ومن هذه الجوائز والأوسمة: الوثيقة الذهبية من المنظمة الدولية للأجانب في جنيف في عام 1985 باعتباره أهم شخصيه لذلك العام، ولدوره البارز في المجالات الإنسانية والحضارية، وقد اختير زايد – طيب الله ثراه- شخصية العام 1999 الإسلامية، من قبل المسؤولين عن جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم؛ لما يوليه من رعاية كبيرة لبرنامج الرعاية الاجتماعية والإنسانية، ولما يقدمه من دعم للتعاون الإسلامي في كافه الميادين، ولإنشائه برامج المشروعات الخاصة، وبرامج الأنشطة الإسلامية الخيرية والثقافية والتعليمية، وتقديم المساعدات لمتضرري الكوارث.
ومعظم الجوائز والأوسمة التي سعت إلى مقام الشيخ زايد – رحمه الله- كانت تشهد بجلائل أعماله ذات الطابع الخيري والإنساني والإنمائي.